حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

341

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

ومطاوعة الأعصاب وسلامة الفقر . ثم خوفهم بنوع آخر قائلا فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ وفيه تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم كأنه قال : حسبي مجازيا لمن يكذب بالقرآن فلا تشغل قلبك بشأنه . وقوله سَنَسْتَدْرِجُهُمْ إلى قوله مَتِينٌ قد مر في آخر « الأعراف » . وقوله أَمْ تَسْأَلُهُمْ إلى يَكْتُبُونَ قد مر في « الطور » . ثم أمر نبيه صلى اللّه عليه وسلم بالصبر ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال يونس عليه السلام وقد تقدم مرارا . قال بعض العلماء : معنى قوله كَصاحِبِ الْحُوتِ أنه كان في ذلك الوقت مكظوما أي مملوءا من الغيظ فكأنه قيل : لا تكن مكظوما أو لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة . وقال جمع من المفسرين : أن الآية نزلت بأحد حين حل بالمؤمنين ما حل فأراد أن يدعو على من انهزم . وقيل : نزلت حين أراد أن يدعو على ثقيف والنعمة التي تداركت يونس أي التحقت به وسدت خلته هي النبوة أو عبادته السابقة ، أو قوله في بطن الحوت « لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين » ، وهذه النعمة التوبة بالحقيقة . وقد اعتمد في جواب لولا على الحال أعني قوله وَهُوَ مَذْمُومٌ والمعنى أن حاله كانت على خلاف الصبر حين نبذ بالعراء أي الفضاء كما مر في « الصافات » . ولولا تسبيحه لكانت حاله على الذم . وقيل : أراد لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة ، ثم نبذ بعراء القيامة أي بعرصتها مذموما فَاجْتَباهُ رَبُّهُ بقبول التوبة فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أي من الأنبياء عن ابن عباس : رد اللّه إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه . ثم أخبر نبيه صلى اللّه عليه وسلم عن حسد قومه وحرصهم على إيقاع المكروه به بعد أن صبره وشجعه فقال وَإِنْ يَكادُ هي مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها . زلقه وأزلقه بمعنى . يقال زلق الرأس وأزلقه أي حلقه . قال جار اللّه : يعني أنهم من شدة تخوفهم ونظرهم إليك سرا بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك من قولهم « نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني أو يكاد يأكلني » أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله . ثم بين بقوله لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم القرآن حسدا على ما أوتي من النبوة . وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ حيرة في أمره وتنفيرا عنه مع علمهم بأنه أعقلهم . ثم قال تعالى وَما هُوَ أي القرآن إِلَّا ذِكْرٌ وموعظة لِلْعالَمِينَ وفيه استجهال أن يجنن من جاء بمثله من الآداب والحكم وأصول كل العلوم والمعارف . واعلم أن للعقلاء خلافا في أن الإصابة بالعين هل لها في الجملة حقيقة أم لا ؟ وبتقدير كونها حقيقة فهل الآية مفسرة بها أم لا ؟ أما المقام الأول فقد شرحناه في أول « البقرة » في قوله وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ [ الآية : 102 ] وفي يوسف في قوله يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ [ الآية : 67 ] والذي نقوله هاهنا : فمنهم من أنكر ذلك بناء على أن تأثير الجسم في الجسم لا يعقل